فؤاد سزگين
14
تاريخ التراث العربي
ونظرا إلى أن ابتداء الاشتغال بمسائل الأدب الدنيوي التي تندرج تحت علم المفردات ، يرجع إلى ذلك العهد القديم ، فإنه يترجّح أيضا رجوع المحاولات الأولى في تفسير القرآن إلى العهد نفسه . ومن البيّن بذاته أن أقدم تفاسير القرآن ، أو بعضها على الأقل كانت ذات طابع معجمى ، وهذا ما تؤيده الروايات . وبقطع النظر عن بعض أحوال خاصة كان كبار الصحابة يسألون فيها العالمين تفسير ألفاظ غريبة في القرآن « 48 » ، فإن عبد اللّه بن العباس ، ابن عم الرسول ( المتوفى سنة 68 / 687 أو 69 / 688 أو 70 / 689 ؛ انظر تاريخ التراث العربي 1 / 25 ) ، يعدّ أوّل مفسر حقيقي للقرآن . وحفظت لنا الرواية اسم معلّم واحد على الأقل أخذ عنه ابن عباس تفسير الألفاظ ، / هو أبو الجلد غيلان بن فروة الذي أشادوا بأنه جمع وقرأ كتبا كثيرة « 49 » . ووصلت إلينا عدّة كتب أفردت لتفسير عبد اللّه بن العباس لغريب القرآن أو مشكله . وبعض هذه الكتب قد نقحها تلاميذه ، دون ريب ، أمّا بعضها الآخر فلم ينقّح إلا في عصر متأخر . على أن ثمة تأليفين يرجعان ، بقطع النظر عمّا لحقهما من تغييرات يسيرة ، إلى عبد اللّه بن العباس نفسه ، ويبدو أن اعتراضات جولد تسيهر على صحة نسبتهما إليه ليس لها ما يسوّغها ( انظر تاريخ التراث 1 / 25 - 26 ) . وأحد هذين التأليفين هو تفسيره برواية علي بن أبي طلحة الهاشمي ( المتوفى سنة 120 / 738 ) ، والآخر هو « مسائل نافع بن الأزرق » . ويحتوى أولهما على تفسير ألفاظ من القرآن ، وقد حظى منذ زمان متقدم بتقدير طائفة من علماء المسلمين . والنقد الذي وجّه إلى رواية علي بن أبي طلحة ل « التفسير » ، ويقول بأنه روى النص دون قراءته على ابن العباس ، كان ينبغي أصلا أن يفهم منه أن تحرير النص كان لابن العباس نفسه ، وأنّ علي بن أبي طلحة لم يقم إلّا برواية أصل مدوّن خلو من « القراءة المستحبّة على المؤلف » .
--> ( 48 ) انظر جولد تسيهر ، « مذاهب التفسير الاسلامي » . I . Goldziher , Die Richtungenderisl amischen Koranauslegung , Leiden 1952 , 70 . ( 49 ) انظر تاريخ التراث العربي 1 / 26 ، والتصحيف للعسكرى ص 409 .